الخميس، 24 أكتوبر، 2013

الجذور


الجذور....  


       كانت الدنيا   ظلاما...دولتان تستأثران بالسطوة والهيمنة على مقدرات العالم...الفرس  المجوسية...والروم  المسيحية...أما العرب...فما كان لهم فى ذاك الوقت من القرن السابع الميلادى  كيان  يذكر..كانوا عبارة عن قبائل متفرقة متناحرة فيما بينها...يعيشون على الرعى فى صحارى الجزيرة العربية..وكانوا يعبدون الأصنام...وتعم فيهم الأمية والعصبية القبلية والحروب الطاحنة على الكلأوالماء..
 
  بعث النبى محمد صلى الله عليه وسلم...حاملا الدعوة الى دين الاسلام...وقضى الثلاثة والعشرين عاما الأخيرة من حياته  توحيد القبائل العربية ..الى أن  جعل منها كيانا  مجتمعيا متماسكا..بعد خطوات....يحدوها  الوحى الالهى..والعبقرية الانسانية  لمحمد بن عبد الله...وفى أخريات  سنوات النبوة كان المجتمع  المسلم فى المدينة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم.قد احتوى كل تناقضات القبائل البدوية فى الجزيرة العريية..ويبدله9ا سلاما ونقاء وروحا وثابة تتطلع الى حمل لواء العوة وشعلتها المضيئةالى  مناطق العالم التأخمة لجزيرة العرب..
وبينما رسل الرسول الأعظم..وجيوشه تتخطى  حدود الجزيرة بالدعوة الاسلامية...ينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم الى من أرسله...ويترك للمسلمين..أصل رسالة الاسلام(القرآن الكريم)ونموذجا عمليا وتطبيقيا لتعاليم الدين (السنة النبوية الشريفة).

الجمعة، 23 أبريل، 2010

هل نحن متخلفون ؟

mindsorare1a

ربما يكون هذا السؤ ل محور أههم دائرة جدلية فى حيا تنا المعاصرة،وكثيرا مانضطر الى السير مغمضى الأعين ،حتى لا تقع أبصارنا على تبعات الحقائق الشائكة التى تكمن وراء هذا التسا ؤل !!وربما يلجأالبعض منا الى اثارة أكبر قدر من الغبارحول الموضوع فى أساسه حتى تتلاشى المعالم وتختلط الأوراق،أو تضيع ، فتسمع من يقول :ألسنا خير أمة أخرجت للناس ،يكفى أننا أمة التوحيد ،أمة القرآ ن ،أمة محمد !! ....هكذا....

وكأن هذه الحيثيا ت مبررات للدرك الأسفل فى السلم البشرى الذى هوينا فيه من قرون عدة وتآلفنا فيه مع أعتى الموبقات الانسانية ...فقر ،وجهل ،ومرض ،واتكالية ، واستبداد ...الخ..........

على أن أخطر تبعات هذا السؤال سؤال آخر يبدو حتميا اذا ما أخذنا الأمر بما يستحق من جدية ..ونادرا ما نفعل ...والسؤال هو .. ولماذا نحن متخلفون ؟؟؟

أريد هنا أن أمر على اجا بات سمعتها وسمعها كثيرون وتمثل تيارات فكرية نشطة .....وذلك قبل أن أطلب الى حضرات المتابعين الجا دين (فقط)أن نتواصل معا حول هذا الموضوع ....

*هناك من يرى أن مسألة التخلف مسألة قدرية ،لادخل لنا بها ، وليس علينا ما نفعله بازائها ....

*وهناك من يؤكد على نظرية المؤا مرة فى هذا الشأن فالاستعمار الغربى والصهيونية هم من تقع عليهم مسؤ لية تخلفنا وهم من يعملون على سد نوافذ النهوض والتقدم أما منا....

*

وآخرون يرون العائق فى التكوين الثقافى والفكرى لأمتنا...فنحن فرديون وذاتيون واتكاليون ،ونميل الى تقديس حكامنا حتى نحولهم الى مستبدين، وفى أذهاننا فجوات تعشش فيها الخرافة والأوهام ....الخ....

هل ضاعت منا البوصلة ،فضللنا الطريق الى الهدف ؟أم أننا منذ فترات طويلة افتقدنا القدوة والقيادة ،ومعهما "خارطة الطريق" ....تلك من وجوه أزمتنا كما يراها البعض .....

هل الدين والتد ين وأهله من المعوقات التى تحول بيننا وبين النهضة التى لم تعد منشودة فحسب ، انما أضحت ضرورة وجود وحياة واستمرار ؟ وهل نحن قا درون أصلا على حوار حقيقى ينبثق فى نهاية نفقه ضوء الحقيقة .......برايى المتواضع :الدين قادر . ونحن عاجزون !!!

لكن ....ومهما كانت الاسباب ...أسباب التخلف....ينبغى فى نهاية المطاف أن نتلمس سبيل الخلاص وان نعرف من أين نبدأ..........أتطلع الى اسهاماتكم العميقة ...........

مع تقديرى لكل من أجهد نفسه فى هذه المتابعة ...

هذه معجزات الرسول الخالدة

نعم ....للرسول العظيم صلى الله عليه وسلم معجزات ....وهى تلك الأمور الخارقة للعادة ...بمعنى أنها غير مستطاعة منى أو منك ........وسأحاول هنا ايجاز بعضها :

@ ولد "محمد" فى بيئة اختزلت كل مساوئها فى كلمة "جاهلية "ولكنه وعلى مدى أربعين عاما هى عمره قبل البعثة لم ينخرط فى شيئ منها ،بل نأى بنفسه عنها ،وسار بحياته فى خط مستقيم لم يعرف له نظير ...فهل أحد يستطيع أن يخالف ما تآلف عليه الناس جميعا ويستحضر فطرة نقية لم يعرف أن أحدا سبقه اليها....أليس هذا اعجازا؟

@تلقى الرسول رسالة السماء لأول مرة....فاهتز لها ،ولكنه لم يهتز حين أدرك أنه وحيدا فى مواجهة العالم .....خاصة وهو يدرك أن عليه مسئولية تغيير هذا العالم ...........عفوا ليس تغيير أزيائه ،ولاحتى عاداته ...........انما تغييره كليا ومن الأعماق..........حيث المعتقدات والأفكار والمشاعر والقيم ...........ومضى الى غايته السامية،لم تضعفه هزيمة أو خزلان ،ولم يتيه بنصر أو تأييد .........هل أستطيع أو أنت تستطيع ؟؟؟

@ كان ما زال وحيدا الا من نفر من المستضعفين بجانبه..ضعيفا لايحتمى بقوة ولا سطوة ولامال ولا جاه حينما أتى اليه من يعرض عليه المال والجاه والسلطان على أن يتخلى عن رسالته..........من فضلك احسبها انسانيا...قبل أن تسمع الرد المعجز بحق :
والله يا عم ...لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى شمالى على أن أدع هذا الأمر ما تركته ،.........

@لأن "محمدا" من البشر فقد جرى عليه ما يجرى على البشر،ولقدكانت مجريات الأمور بالنسبة اليه على مستوى المسؤولية المنوط بها.....لقد تعرض للايذاء ،الضرب السب الطرد الحصار التجويع التهديد للقتل ....للهزيمة....انظر اليه فى أحد ان دماءه تسيل وأحب الناس اليه صرعى ،وقد مثل بهم....ولم يكن فى حياته الشريفة احوج الى المعجزات المادية أكثر من هذا الموقف ،،،،لكن امعجزات التى مكنه الله منها....كانت على نسق آخر ،،،،،،نسق معنوى ينبض بالحياة ويشع بالقيم التى تغذى التجربة الانسانية على مر التاريخ !!!!!!!!!!
انظر اليه بعد فترة وجيزة ،وقد تمكن منهم وفتح عليهم دورهم ووقف على رقابهم ،ووقفواهم صاغرين ينتظرون كيف يكون انتقام المنتصر ممن بادروه بكل الشرور .........استدع من فضلك ماتعرف من مواقف تاريخية مشابهة،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،النبى فقط هو الذى يقول: "اذهبوا فأنتم الطلقاء " ...........
@لست متخصصا فى التاريخ ولكنى شغوف به واكاد ألمح مفصلا جوهريا فى المسيرة الانسانية قبل ظهور الاسلام وبعده ....كان الاسلام بكل عطاءاته الخلاقة بمثابة انعتاق للبشريةمن حقبة الىحقبة أخرى فيها الرحابة والاطلاقة والحرية،،،،،،،،،،،،،نعم الحرية،،،،،،،،،،تلك الفريضة المغيبة فى العالم الاسلامى،،،،،،،،،،مع فرائض أخرى،،،،اجدنى مذهولا عندماأتأملها..........المدهش أن هذه الحقبة كانت بعنوان : "اقرأ " وكان هذا هو الأمر الآلهى الأول فىالرسالة الخالدة،،،،،،،،،،ومنها كانت الانطلاقة الانسانية الى الحضارة والانجاز غير المسبوق .............ولعل ذلك الأمر معترف به من المنصفين من مفكرى الغرب وباحثيه ....
لاأعنى هنا فقط الاشادة بدور الاسلام فى الرقى الانسانى ولكن الوقوف على لمحات من الأداء العظيم لصاحب الرسالة مماجعله كما فى نظر"مايكل هارت"أعظم البشر على مر التاريخ لأنه صلى الله عليه وسلم صاحب أاكبر تأثير فى البشرية.....

@المعجز هنا هو النموذج الانسانى الرائع فى حياة الرسول وفى كل مواقفه............وهو شاب وهو زوج وهو محب وهومحارب وهو أب وهو جد وهو صديق وهوتاجر وهو قائد وهوعابد وهو انسان ،،،،،،،،،،،،،،لاتستطيع ولا أحدغيرك أن يفعل مثله ،،،،،،،،ولكن بوسعنا جميعا أن نقتدى ...ونتعلم ....وان نستلهم لنرتقى بانسانيتنا ما وسعنا الارتقاء ،،،،،،،،،،،،لكننا لن نصل الى مرتبته ،،،،،،،،،،،،،

لأن ذلك هو الاعجاز،،،،،،،،،،،،،،،،،والسلام عليكم

ذكريات عيالية

أصدقائى..سامحوننى..نزلت الى واحتكم وتجولت فيها..اجتهدت كى أستفيد وأستمتع،لم أرغب فى أن يرانى أحد طوال شهور من التخفى..ركزت مع البعض مررت بكل الانطباعات الانسانية..القبول ..الرفض..التأييد..المعارضة..الاعجاب..الامتعاَ ض..الدهشة..الاستخفاف ..الازبهلال بتاع عمنا عادل امام كرم الله وجهه أحسن يكون قريب حد فى الواحة........

المهم أنى قررت أن أخلع طاقية اسماعيل ياسين ..وأظهر للعيان ..والذى يريدرؤيتى البهية ..عليه أن يطوف بالواحة سبع مرات ثم يعبرالسبع بحيرات ..ويجتازالحواجز والمعابر والممرات ..والوهاد والنجاد والشلالات...حتى يبلغ الطرف الاققصى من الواحة...وعندما يجد شجرة كثيفة الظلال وليس بها غير زهرة وحيدة بألوان الطيف ..يجلسس تحت الشجرة ويتأمل الزهرة..لما أجيله أمال ايه؟ الحكاية مش بالساهل..!!!!!!

هذه أول مساهمة منى ..عن ذكريات قديمة...لاأعرف لماذاألحت على الآن............ ونحن صغار كنا مولعين بكرة القدم وكنا نتخذ من أى مكان ملعبا لنا..شارع..خرابة..لكن المشكلة كانت دائما فىالكرة نفسها ولم نكن نعدم الوسيلة...شراب قديم وقطعة اسفنج أى شيئ يمكن تحويله الى شكل كروى يؤدى الغرض....لأن العين بصيرة والايد قصيرة ...

أما اذاواحد ربنا أكرمه واشترى كرة او استلفها ..أو حتى سرقها ..فيصبح محوراهتمام الجميع ،الكل اليه يتوافد ،ويتودد، لأنه صاحب الكرة !!! وهو بذلك يضمن صلاحيات وسلطات مطلقة ،هو الميرالفنى ورئيس النادى والحكم والشرطة ..والجمهور أيضا..فهو الذى يختار اللاعبين ،والملعب والوقت ،وهو _دائما- راس الحربة اذا لمسه أحد فاول ،أو بنالتى ،ويجوز أن يطرد أى لاعب لا يروق له أو يتميز عليه أويخطف منه الأضواء.. لاتحتسب أهداف فى المباراة الابموافقته ..حتى لو رأى الجميع الكرة تخترق المرمى ممكنالغء الهدف ببساطة ..لكن ركلاته كلها أهداف صحيحة ..بل وجميلة ، حتى لو طاشت او جلت ..ولا مجال للاعتراض أو الاحتجاج..والويل لهؤلاء ..لكل من يجرؤ على الرفض ، ليس له مكان ولامكانة ..واذاتمادى أحدهم ..فنصيبه موفور من الطريحة المتينة ...وعلى كل المشتاقين والمتطلعين والتواقين الزود عن صاحب النعمة..صاحب المتعة .

.صاحب الكرة ...حتى يطيب مزاجه ..عليهم أن يريقوا كل مافى وجوههم من ماء ..تحت حذائه ..رغم أنه "حافى" !!!!

كانت هذه ذكريات عيالية طمست مع الزمن ..لكنها قفذت مرة امامى ..عندما استلمت عملى الوظيفى ..وفوجئت برئيسى فى العمل يتصرف بنفس طريقة صاحب الكرة !!!!

هذه الأيام..........عاودتنى تلك الذكريات...طاردت وعيى ...اذن هى ليست ذكريات عيالية ..كما دعوتها ظلما...ربما ثقافة...قانون ...دستور...لم أعد متاكدا من شيئ....فى الوقت الذى يفترض أن يصل الانسان الى شاطئ اليقين!!!!!!!!!!
ساعدونى...أنا غريب فى واحتكم .....ثم انى ""مطرود"" من المباراة...!!!!!!!!

السبت، 29 نوفمبر، 2008

الحاجات الفعلية

فى الأهرام 26/11/2008 قرأت مقالا بعنوان: حاجات فعلية أم حرية الصراخ؟.لأيمن السيسى...يقارن فيه بين أحوال قريته(نمرة البصل.مركز المحلة)قبل سنة1980 وبعدها....ولاحظ أن القرية كانت فقيرة،بيوتها من الطين،ومحرومة من كل شيئ تقريبا..

وبعد سنة 80 بدأت القرية تتسع وتزداد ثراء...بيوتها حديثة ..وبها كل الكماليات (الثلاجة والغسالة والبوتاجاز)والمحمول فى يد الجميع...ثم يقول بعد ذلك مستنكرا...أننا مازلنا نصرخ بأن هناك معدومى الدخل وفقراء!!! ويتساءل:هل هذا الصراخ المتصل..هونتيجة الحاجة بالفعل..أم هو رفاهية المطالب؟؟؟

وأستطيع القول ..أن ما قرره الكاتب بشأن قريته قد يكون صحيحا...اذا تغاضينا عن تحديد سنة80 كبداية لذلك،اذ أن تحديد الكاتب لهذا التاريخ لا يشير الا الى التوجه السياسى للكاتب،وعلى رغبته فى اضافة اسمه الىسجل المنافقين والمزورين..

قد يكون ما ذكره صحيحا...لكن هذا التطور –ان أسميناه كذلك-ليس منحة من أحد ..لكنه تراكم الجهود والعرق لأناس مكافحين بالوراثة..لكن الكاتب الذى يستكثر على أهله أن يعيشوا ماديا كالبشر لم ينظر حوله ..الى بلدان أخرى..وكيف ازدهرت فى أعوام قليلة..وتحولت صحاريها الى واحات خضراء..وعم الازدهار نواحيها وكل شعوبها...وقد ودعت هذه البلدان عالمنا...الى عالم آخر متقدم..منتج..مكتف..مصدر..يحلم فيه الشباب للمستقبل والابداع ..وليس للهروب من بلادهم..حتى ولو دفعوا حياتهم ثمنا لهذا الهروب..ليتركوا للكاتب وأمثاله تلك (الكماليات)التى يتباهى بها....وذلك لأن هؤلاء الشباب.... فى بلادهم ...افتقدواأنفسهم...!!

قد يكون مارصده الكاتب صحيحا..بشأن وجود (الكماليات)كماأسماها_فى القرى والنجوع...غير أن مراميه ليست صحيحة..ولابريئة..ولا شريفة...

ذلك لأن الكاتب اذا كان قد خرج من أحد بيوت الطين ليصبح ذا شأن ويكتب فى الأهرام ويتقاضى راتبه من أموال الشعب ..فان ابنه لن يحصل على هذه الفرصة الا بالواسطة أو الرشوة..لأن المفقود فى بلادنا هو الأمل..ففى الأيام الغابرة...أيام الفقر..ماقبل عهد (الكماليات).....كان هناك ضوء فى نهاية النفق المظلم...يستطيع كل مجتهد الوصول اليه..ربما لم يكن فى بيوتنا البسيطة ثلاجات ولا فى أيدينا موبايلات...ولكننا كنا متأكدين أن من يجتاز مراحل التعليم يصبح انسانا مقدرا من المجتمع..ويتيح له فرص الحياة الطيبة......الآن ..لا...قد فصل بين أبنائنا وطموحاتهم بفواصل بشعة...لايجتازها الا من يتسلق أكتاف بابا..أو ماما..او عمه الكبير...وافتقد الناس العدالة والمساواة ..كما لم يفتقدوها فى عصر من العصور...وهذه هى المشكلة ..الأزمة..

أزمةفكر يخون العقل..

وأقلام تخون الرسالة..

وأناس يخونون الأمة...

لم يكتفوا بتزويرارادتها..والتشويش على أهدافها..انما ماضون الى وأد أحلامها وأمانيها..

أيها السيد:الثلاجة والبوتاجازوالموبايل..ليست هى الحاجات الحقيقية..ولاالحاجات الفعلية...

ولم يصرخ أى شعب فى العالم للحصول عليها..

انما كل الشعوب ..تصرخ وتموت...من أجل حريتها...وحقها فى الحلم والأمل..والحياة...!!!

 

قولوا للراجل دا حاجة يا ناس...تعبت والله..!!!

 

 

الثلاثاء، 4 نوفمبر، 2008

ابتسامة الألم

الحجرة بسيطة..تضم سريرين متقابلين..ودولاب ومنضدةعليها جهاز كمبيوتر..وأجمل مافيها تلك النافذة التى تطل على الشارع وتسمح لضوء الشمس بالتجول كل يوم فى الحجرة المتواضعة...هذه النافذة كانت هى الفاصل الوحيد بين الشقيقين اللذين يسكنان  الحجرة ..منذ أكثر من ربع قرن..ويتشاركان فى كل شيء...حتى فى نوبات ألم النزف والتى تعاود كليهما بين الحين والآخر ..و التى توصف طبيا بأنها فوق احتمال البشر ..كانت عندما تواتى أحدهما النوبة.. يشعرالآخر أنه هو الذى ينزف..لحظتها ترى تقلصات الألم تنتقل من وجه أحدهما الى وجه الآخر دون عوائق..وترى انكسار المعاناةتمر بعيونهما ..فلا تستطيع أن تميز من منهما الذى ينزف ؟ومن الذى يتألم؟!
حتى الدواء الذى يحقنان به للتخفيف من حدة الألم هو نفس الدواء..ولسوء الحظ هو نادر ،وباهظ الثمن..فهوأحد مشتقات الدم..لذلك فكانت الوحدة التى يتيسر الحصول عليها تحفظ فى الثلاجة للأوقات الحرجة..ولقد اعتاد كل منهما على حقن الآخر..
الليلة ..لم تكن نهاية السهرة كبدايتها..بعد العشاء كنا على موعد مع المنتدى الانترنتى الذى نتابعه معا كل مساء تقريبا..وفى الوقت الذى احتدت فيه المناقشة حول أ حد الموضوعات السياسية..كانت نوبة النزف تهاجم ركبة الابن الأصغر..حاولنا اقناعه بالحقن حتى لا تتفاقم الحالة..لكنه آثر استخدام كمادات الثلج توفيرا للحقنة الوحيدة الموجودة..لكن النزف كان له رأى آخر..فازداد حدة وشراسة ..وسرعان ما تحولت ركبة الشاب الى مايشبه البطيخة..وكشرت الآلام عن أنيابها..وتأزم الأمر..ولم يكن هناك بد من استخدام الحقنة.. وبدأنا جميعا الاعداد لعملية الحقن..
وبينما نحن على هذا الحال..حتى فوجئنا بأن الابن الأكبر منحنيا وغير قادر على اعتدال قامته..لمحت علا مات الألم تغشى وجهه المصفر..وموجات من التقلصات الغريبة تشوه ملامحه المحببة..هل هو امتداد معتاد لآلام أخيه؟! سألته عما ألم به .. لم يجب .. كان ما يزال منكبا على اعداد الحقنة لأخيه...لكن وجهه كا ن شاحبا بطريقة مخيفة.. وبدأت حركات يديه تضطرب..ألححت عليه بالسؤال..وكررته مرات..
فجأة صرخ..بما يشبه الانفجار المكبوت..ثم تكوم حول نفسه..وهو يغالب ألم النزف الداخلى أعلى الفخذ..
فى هذا الموقف المعقد دار حوار معقد..حوار بلا لغة..وليست له ترجمة..لكن فحواه أن كل منهما يرفض بعناد أن يأخذ الحقنة..وكل منهما يصر على أن يعطيها لأخيه !!
الآن تحتم علينا أن تكون الحقنة الوحيدة من نصيب صاحب الحالة الأخطر.... وعلى الابن الأصغر أن يبتلع آلآم ركبته..ويقوم بحقن أخيه..الحقنة أصبحت معدة ..حيث تمت معادلة درجة حرارتها بدرجة حرارة الغرفة..وقمنا بتعليق الزجاجة التى تحتوى على مادة الحقن بأعلى المكان وامتد منها الخرطوم الذى ينتهى بسن الحقن،وقد أمسك به الابن الأصغر ليضعه برفق واحكام فى وريد أخيه..

صوت سقوط الزجاجة من أعلى وتحطمها هو الذى قطع لحظة الصمت الثقيلةالتى سبقت العملية..
لحظة غريبة من الدهشة والذهول..
ثم راح الأخوان فى الضحك بصوت عال..وقد احتضن كل منهما الآخر بكل ما أتيح لهما بقوة..
كنت وأمهما..وقوفا ..لانصدق مانراه..ولا ندرى ماذا سنفعل...!!
غيرأن مرارة شديدة التركيز كانت تنسكب فى حلقى..وأكاد أشعر بكبدى يتفتت بداخلى ويذوب فى دوامة الألم والحيرة..
لكنى..ولأول مرة فى حياتى أرى ابتسامة للألم........!!!!!


السبت، 25 أكتوبر، 2008

ابن المرحلة

كان أحد المدرسين الشباب الذين أعمل معهم ، غير أنه كان يتميز عن زملائه باهتمامه المبالغ فيه بمظهره ،بالرغم من الظروف المادية القاسية والتى لم تسمح له بالتمادى فى اهتماماته المظهرية الى مداه ..مما اضطره الى الاستدانة من طوب الأرض بالمدرسة..واضطرالى ابتكار طرق متعددة وحيل طريفة كى يحصل على المعلوم من زملائه،ومن الفراشين...وامتد نشاطه الى أولياء الأمور..والى جيرانه فى المسكن ،والذين أتوا مرارا الى المدرسة أملا فى استرداد ماأقرضوه...دون جدوى طبعا...


لكن خصلته المميزة له كانت اهتمامه الصارخ بكل قدم جديدة تطأ أرض المدرسة ...وكان اهتمامه يتصاعد حسب مكانة الزائر الجديد ،ويشتم ذوى الحيثيات والمناصب من بعد..ويقيم لهم طقوسا تبدو مثيرة للشفقة أحيانا ،ومثيرة للسخرية فى كل الأحيان !!

قلت  مرة للجميع ..لكنى كنت أعنيه أن علينا أن نعمل ونقوم بواجبنا..بغض النظر عن شخصية الزائر للمدرسة لأن الانسان الذى أنشئت المدرسة من أجله موجود دائما ..وهو أهم من يعنينا وأهم من أى زائر...وهو التلميذ...

مرت سنوات وهو يعانى شظف العيش..ويتجرع مرارة الاستدانة وهوان مطالبة الدائنين ومطارداتهم..غير أن عبقريته فى الايقاع بال  (زبون) ا لجديد الذىيخرج ما فى جيبه لم تخذله أبدا...حتى انتقل الىمكان آخر وانقطعت أخباره عنى حوالى سنتين...

وفجأة

وجدته أمامى..لكن أناقته مكتملة وليست ملفقة..ودراجته المتهالكة والتى كان يجرها أكثر مما يمتطيها..قد انقلبت الى سيارة من طراز فخم..
رآنى ..توقف..فتح باب السيارة..نزل منها ..واستند الى باب السيارة..وهو ينظر الى بنظرة أراد أن تكون متحدية...وقد غابت عن ملامحه سمات الانكسار التى كانت منابعها فى أعماقه..سلمت عليه ..شد على يدى بقوة..كان يريدنى أن أندهش ..ولكنى لم أفعل..وكان يريدنى أن أسأل .. ولكنى لم أفعل..وكان يريد أن يطيل اللقاء ..ولكنى لم أرغب..ومضى كل منا فى طريقه..

أدرك رفيقى..وهو زميل مشترك..أدرك الموقف..وقطع الصمت الذى لفنا برهة..وقال محاولا وضعى على طريق الفهم :
زميلنا استطاع فك الشفرة..ظل طوال السنوات الماضية يكون قاعدة من المعارف فى مواقع مختلفة..ومؤثرة..نواب وموظفين كبار ..ضباط..أطباء...الخ..
ثم بدأ فى دراسة احتياجات الناس..والعمل عليها حتى تنقضى ...وانفتح له كنز (على بابا) واحد مقبوض عليه متلبس فى قضية اتجار مخدرات..باجراءات بسيطة تتحول الى قضية تعاطى..واحد عاوزشهادة اعفاء من التجنيد..أوشهادة دراسية ..أو حتى محو أمية..أوقرار علاج على نفقة الدولة....الخ...

ثم علق رفيقى قائلا :طالما حاجات الناس لاتنتهى مشروعة وغير مشروعة...
وكثير جدا من أصحاب الحاجات  المشروعة لاتجد من يستجيب لها من المسئولين..
وطالما أن كثير امن المسئولين رحبوا باستثمار مناصبهم وصلا حياتهم الوظيفية فى الحصول على مقابل قضاء حاجات الناس...من هنا أتت أهمية صاحبنا ومن هنا هبطت عليه النعمة ..وتخلص من الفقر..

قال رفيقى كلاما كثيرا غاب عنى معظمه...لأن ذهنى شرد فى قصص أخرى  مشابهة..أبطالها تحولوا الى أثرياء لمجرد أنهم ..فكوا شفرة المرحلة... وجنوا العائد بالملايين...ولما طلب منى رفيقى الخروج من حالة الصمت والتعليق..قلت:

انه ابن المرحلة....